مداخلة حول رواية

أخبار جهوية

مداخلة_حول_رواية_

2018-01-04 11:43:32

. رواية " جهاد ناعم" تضمُّ زخماً كبيراً من الصّور، فأنت "تشاهد"، بوضوح متسلسل أخَّاذ، العبارات والمقاطع، كأنك أمام فيلم سينمائي مكتمل بالتقنيات الحديثة. تسمع الأصوات أيضاً، تميزها، تأنس لها أو تنفر منها، تبعاً للحالة وللتصرف ولانتماء ولالتزام كل منها

شيقة هذه المقاطع التي يبدأ أغلبها ب "فلاش إن" (Flash In). تسأل نفسك: ماذا يحدث؟ أين أصبحنا؟ لتكتشف، بعد قليل، أن هذه المفاجأة الجديدة في أسلوب المؤلف، إنما هي من خميرة خياله وخبرته التقنية، وأنها حافزٌ جديد لتفتح عينيك كقارئ، ولتدهش، ولتتشوق إلى معرفة المزيد، وخصوصاً إلى معرفة النهاية. وهذا وحده كاف ليمنعك من إزاحة الرواية عن يديك، وعن صدرك، قبل إتمام القراءة حتى الصفحة الأخيرة، حتى العبارة الأخيرة

رواية أراد بها كاتبها الأديب " محمد عيسى المؤدّب أن يعلن اختلافه عن الروائيين التونسيين والعرب بشكل عام: اختلاف الكاتب الذي ينتج نصّا كاشفا جريئا .. حيث يقول الكاتب والناقد الجزائري علاوة كوسه فى تقديم الرّواية: "إنّ رواية ''جهاد ناعم'' تأتى لتؤكد قوة الرواية التي سبقتها للمؤدب ''فى المعتقل''، فإذا كانت السابقة قد لقيت كل ذلك المدَّ الجمالى والتلقّى القرائى الجميل، فإن اللاحقة على موعد مع فتح نقاشات نقدية تليق بعمقها وجرأتها ومحمولاتهاالموضوعاتية الرهيبة المتعددة، ومقولاتها الفنية الموغلة فى التجريب الجميل الواعي المنتِج لجماليات جديدة للرواية العربية، ومن شأن مثل هذه النصوص الشاهقة فنيًا أن تجعل الروايةَ التونسية فى واجهة الرواية العربية ومطالعها، ولمحمد عيسى المؤدب الأديبِ المشتغل بعمق، الجادِّ بوعى الدورُ الكبير فى هذه الفتوحات الجميلة للرواية التونسية والعربية." النصّ الذي يعلن ثورته عن نمطيّة الكتابة الروائية ويؤكّد تمرّده الصريح عن تقنيات الإنجاز السردي المألوف ، فهو نصّ مخاتل منذ عتباته الأولى بدءا بالعنوان وصولا إلى اللغة مرورا بطبيعة الشخوص فيه

  جهاد ناعم, يختزل في براعة واقتدار تاريخ الحضارة العربية في علاقتها بالحضارة الغربية ، هذا الصّدام القديم الذي خلّف موروثا عدائيّا مستمرّا إلى اليوم .. جهاد ناعم رواية الوجع الذي استشرى منذ 2008 زمن أحداث الحوض المنجمي في عهد الرئيس بن علي إلى 2014 ما بعد الثورة التونسية في عهد الحكومات الجديدة .. هنا في جهاد ناعم تجد تاريخ أرض منكوبة ومجتمع مهترئ وشباب مسلوب الحياة مصلوبا على خشبة الأطماع ، أطماع الكبار ..شباب وجد نفسه بين المقصلة والغرق فاختار الغرق ليكون فريسةً لأطماع أكبر وضحيّةً لكلّ أنواع الفساد من زطلة وجنس وتهريب وهجرة غير شرعية ( حرقة ) ومتاجرة بالأعضاءوابتزاز، حتى انتهى به الأمر إلى شبكات المافيا الإيطالية حيث تعلّم كلّ أصناف التحيّل وبيع الذمم والمتاجرة بمشاعر الناس والكذب وانتهاج نهج السابقين من صنّاع الفساد ومروّجيه على بلاتوهات التلفزات المأجورة ..

لقد نجح عيسى المؤدّب – بامتياز – في رصد وقائع المجتمع واستبطان نفسيات الشخصيات والوقوف على أدقّ دقائق المرض المزمن في هيكل المجتمع وروحه ..بلغة جمعت كلّ أصناف الكلام من فصيح وعاميّة وأجنبية ..لغة الشارع والطبقة المسحوقة ولغة الطبقات الفاسدة التي تلوّن الكلام وتصبغه حسب نواياها .. الرواية توصيف صادق و جريء لأوضاع اجتماعية وسياسية وانسانية متأزّمة يعيشها الشباب المعطّل والمهمّش الذي يحلم بغد أجمل وبحياة أفضل ، هذا الشباب الذي وجد نفسه بين براثن الفقر والخصاصة والفراغ والزطلة والكحول ..ممّا دفع به إلى التفكير في الهجرة غير الشرعية محاولا تغيير وضعه البائس ..وبطل الرّواية نضال فتح الله نموذج لأغلب الشّباب الذي عاش القهر والظّلم وانتهى إلى مصير التّهريب والإرهاب وجهاد النّكاح.. يقول نضال فتح الله: “المشي نحو المجهول نسفني، أظلم ملامحي ولم يتبقّ غير حطام، الرّجل الملتحي، بوجهه المغبرّ وجلبابه الفضفاض، الرّجل المشرّد والخائف والمهان والجائع هو أنا، نضال فتح اللّه.. أحتمي بالقصر، أحتمي بأبي مثل طائر جريح أضاع السّرب.. القصر موحش، أجلس على الحجرة التي كان يحبّها أبي، أجلس على الكرسيّ الهادئ، أرى أبي، أصغي إلى صوته المخنوق وأتشوّق إلى حكاياته، تلك الحجرة حماها أبي من الرّياح والأمطار، نفض عنها الرّمال والغبار، كانت كرسيّ العشق والنشوة في القصر.. الحجرة النّاعمة، هي عرش أبي، كان يجلس معزولا عن العالم، يصير مثل العتمة في زمن القرف، ويصير مثل الضّوء عندما يستعيد القمر مجده، يناجيه ويرقص معه حتّى انسلال الفجر من اللّيل.. أرى أبي في ثوبه الأبيض، ينتصب أمامي، لا ضاحكا ولا عابسا، عيناه مشدودتان إلى عينيّ، يتأمّل قسمات وجهي، حرقك الملح، تقول عيناه، صرت أكثر سمرة أيّها الجرو، صرت شاردا مثلي، صرت مثلي تماما.”

عائشة معتوق